الآن.. هنا

حين بدا موتي وشيكاً .. أطلقوا سراحي…..

سألتني قبل قليل ما إذا كانت الكلمة تستطيع أن تواجه الطلقة ، أو تكون قادرة على تحرير سجين . وأنا أقول لك: إن الكلمة الصادقة قد لا تظهر نتائجها بسرعة ولكن حين تنفذ إلى عقول الناس وقلوبهم ، فلا بدّ أن تتحول إلى قوة وتكون قادرة على فعل الكثير.

في وقت ما ، وصل زائرونا ، إثنان من مــوران وواحد من عمــورية ، كان أحدهم يحمل رسالة إلى طالع العريفي وطلب أن ينفرد به ، جلسا على كرسي طويل غير بعيد عنا ، في لحظة ما رأيت كيف يشعر الإنسان بالإهانة وكيف يصبح وحيداً تماماً

عاد طالع إلينا وقال:

أتعرف من سيزور براغ غداً ؟ هززتُ رأسي بالنفي. تابع بتهكم: وزير نفط موران. ثمّ زفر وتابع : لقد طُلب منا أن نغادر براغ إلى الجبال لمدة أسبوع. كان طالع حزيناً لدرجة القهر.

وفي اليوم التالي ، جاء شرطي ومعه ورقة صغيرة مكتوب فيها ( يحظر على المريض طالع العريفي ، غرفة رقم 217 مغادرة الغرفة لأسباب أمنية وحتى إشعار آخر.

ومات طالع يوم الأربعاء . هل ندفن الشهيد في أرض الوطن ونفضح النظام أم ندفنه في براغ؟
ثم قرأت ما نصه : ليست المسألة أن نختار بين ( نحن وهم ) بل المسألة في مدى قدرتنا على اتخاذ مواقف صحيحة ومدروسة ونابعة من حاجاتنا الفعلية.
وكان فيلسوف المستشفى إميل جانك واقفا فقال :
هؤلاء الشرقيون عاطفيون وسريعو التأثر ، ويمكن لأرواحهم وهي تغادر أجسادهم أن تنفجر لأنها أرواح شفافة وهي على شكل بالونات صغيرة ذات لون أزرق.

سألني الدكتور ميلان عن الأوراق التي تركها طالع العريفي وماذا كتب فيها فقلت : الموضوع الذي يشغلنا هو السجن ، وكيف نستطيع أن نتحدث عن الأمور الأخرى ما دام السجن هو عارنا؟

إميل جانك الفيلسوف يستغرب كيف نكتب من اليمين إلى اليسار ثم أبدى رأيه في الشرق ثانية بقوله:
الشرق أمر خطير للغاية ، هكذا كان وهكذا سيعود مرة أخرى ، ولأن الحضارة بدأت من الشرق ، لا بدّ أن تعود إلى الشرق مرة أخرى .. انتبهوا جيداً لما أقول.

الصور تتوالى كالأمطار والزمن الماضي نثار من الألم، وأتذكر العطيوي والسجن : والله لأطلع حليب أمك من خشومك يا بن الحرام إذا ما حكيت .
وحين يرتخي الجسد بعد أن أصبح كومة من اللحم المعجون بالدم … أحسّ راحة يولدها العناء وأن الموت والحياة شيء واحد.

سألني رادي ( مترجم مستشفى براغ) : أية مفاجآت تنتظر ؟
قلت : الذي يزرع قمحا يحصد القمح، والذي يزرع شعيراً يحصد الشعير ، أما من يزرع الريح فلا بدّ أن يحصد العاصفة .
ويسأل رادي : لا أدري عما كانت تدور مناقشاتكم الحامية .. لكني أجزم أنها حول واحد من ثلاثة : المرأة ، الله ، السياسة .
حاولت أن أفسر سبب ارتفاع أصواتنا عند النقاش فقلت : إنه الكبت الطويل الذي عشناه في الوطن ، وكيف كانت الكلمة المسموعة تؤدي بقائلها إلى السجن، ولذا يلجأ الشباب إلى الانتقام من الماضي والتعويض عما فاتهم من كبت.

جاءتني الممرضة ماري لور ، تطلب مني أن أترجم لها مع مريض من موران ، دخلتُ الغرفة ، كنت قد رأيت ذلك الوجه من قبل. .. مرحبا أبو مهند!! هجم عليّ وراح يقبل يديّ بطريقة بائسة .. هل تذكرون سالم العطيوي صاحب الكلمات ( والله … يا بن الحرام ….. ) ؟ هو بعينه. يا لمحاسن الصدف.

الأوراق التالية شهادتي .. أنا طالع العريفي ، أحد الذين عاشوا في سجون موران عشر سنين متوالية ، قد لا يحتاج الأمر إلى التنبيه إلى أنني سجين سياسي ، وأنني قضيت هذه المدة كلها دون محاكمة ودون حكم.. وأنني خرجت منها بحكمة مفادها ( إن الإنسان دون خيال ودون ذاكرة لا يقوى على مقاومة الزنزانة ) .

حارس السجن : – انهض عصب عينيك واستعد.
- عصب عينيك مثل الأوادم يا خنزير .
- لا تتحرك ولا تتلفت

وبدخول فصل الشتاء .. يصبح المرض شديد القسوة ، لا أعرف من أين كان ينبع هذا البرد ! والجوع الذي تراكم يوما بعد يوم ، أصبح الآن عدواً لا يرحم ، والأرزاق : رغيف خبز وحبات من التمر أو حبات من الزيتون.
وفي سجن العبيد عندما تكومتُ مثل جثة مليئة بالدماء : انهض يا بن ستين كلب.. كلْ يا خنزير وإذا ما أكلت برضاك تاكل بالعصا… كنتُ فقط أريد أن أنام ، كان النوم الأمنية الوحيدة .. لكن …
لم أفطن خلال الساعات الأولى لوجود نساء في الممر في انتظار التحقيق، وبعدها سمعت صراخها : آخ يمه … آخ يمه .. آخ يمه … وشتائم ليست في قاموس الكرامة والإنسانية.

أخذوني إلى السرداب .. إرفع العصابة ، اشرب كل هذا الماء .. ركّبــوه ! بداية التربيط هي بداية الدخول في نفق الموت.
وصاح الشهيري : اسمع يا بن العريفي .. حين تريد أن تعترف ارفع السبابة.

وفي وقت ما تركوني بين الحياة والموت . ولم أرفع سبابتي !!
فكوّا هذا الخنزير الكافر وشيلوه ، وضعوني في بطانية كما توضع الجثة وأخذوني إلى حيث أمرهم. وقال أحد المندسين : هذا يا عمي سجن العبيد، الداخل مفقود والخارج مولود ، وياما مات ناس فيه لأنهم لم يعترفوا ، الموت أهون من هذا السجن .
صرخت به : إخرس .. كفى!!

إن علاقات الناس داخل السجن تختلف عن أية علاقات غيرها .. وإذا قدر لاثنين أن يصبحا أصدقاء فإن لهذه الصداقة جبروتاً يجعلها حالة من الاتحاد. لقد أصبحت يدا هلال السليمتان لنا نحن الاثنين وأصبحت أرجلنا السليمة كافية لأن توصلنا إلى الحمام.

كنتُ خلال هذه الفترة أكثر رغبة في الموت ، لم تعد الحياة تعني لي شيئا مهماً ، خاصة بعد العذاب والذل الذي سحقني . كما أصبحتُ مشغولا بهؤلاء الجلادين .. أي بشر هم؟ هل يمكن أن يأكلوا بالأيدي التي كانوا يضربوننا بها؟ كانوا يبدون لي بشراً مشوهين مجوّفين .

وهالحين يا بن العريفي .. تريد أساعدك أم تريد تموت موتة كلب؟ لا جواب . أريد أن أبقى عنيداً وإذا متّ فأجمل موت أن يموت الإنسان واقفاً .

باريــــــــــــس :
نقلت من براغ إلى باريس للعلاج . من المعالم الأساسية التي حرصت على زيارتها خلال الأيام الأولى من وصولي إلى باريس : الباستيل. أريد أن أرى السجن الذي صنع الثورة وغيــّــر معالم الكون . هذا السجن وحتى لحظة سقوطه لم يزره سوى ستة آلاف ، وحين اقتحمه الثوار لتحرير السجناء لم يكن فيه من النزلاء سوى سبعة. كم ألفاً عدد السجناء في سجون الوطن العربي الكبير؟!

لا أريد أن أكتب تاريخاً للسجن المركزي. فتاريخ من هذا النوع يجب أن يكتبه الغضب وأن توشيه الدماء. وإن أول إضراب عن الطعام كان في السنة الثانية لوصولي إلى السجن المركزي، كان إضراباً مجيداً لأن السجن كله شارك فيه.
وفي طريق انتقالنا من السجن المركزي إلى سجن العفير ، قال لي رضوان: إذا كان برد عمورية بهذا الشكل فإن برد العفير سوف يقتلنا.. سأهرب وسوف أقفز من السيارة أثناء الطريق. قلت : لا تعرض المجموعة كلها للخطر.

يكرهون القراءة والكلمة المكتوبة ، يكرهون النبتة الخضراء والمكان النظيف ، يكرهون أن يضحك إنسان وأن يتحدث إنسان إلى آخر .. كيف تعلموا هذا الصمت؟ !!

إذا كان لجميع السجون قوانينها بغض النظر عن قسوة هذه القوانين ، فإن سجن العفير يترفع أن يكون له أي قانون ! لأن أي نفر من جنود البادية قادر هنا على تجاوز أي قانون وفرض ما يريد.

وصلت السيارات وبدأنا نتحرك تجاهها ، ضربني أحد الجنود بعقب بندقيته وقال بحقد: درب ياخذ ما يردّ ، خلصنا منكم يا وجوه النحس.
وأُخــذنا إلى سجن القليعة …..
وهناك نظر إلينا آمر السجن وقال : ما شاء الله كأنهم قطيع ماعز.
ورداً على سيادة النقيب أقول :
نحن يا سيادة النقيب لا نملك إلا كم فكرة وكم كلمة ، وليس لدينا أسلحة ، وأعتقد أنه يجب أن لا تخاف من الكلمة لأن لا أحد يستطيع أن يسجنها أو يمنعها.

قبل أن يبزغ الضوء .. وبشكل مفاجئ ، هجموا علينا كالكلاب الضارية ، ودلقوا علينا كميات كبيرة من المياه الباردة عدا عن الرفسات والصفعات واعقاب البنادق ، ثم انهالت علينا الكرابيج .. وكان برد الصباح قارساً .

الخوف لا يقود إلى الحب .. بل هو أقصر الطرق إلى الكراهية ثم الحقد وأخيرا العنف.. الخوف قد يخلق الطاعة الظاهرية وربما يوحي بالاستقرار لكنه لا يؤدي إلى الطمأنينة. ثم ما قيمة الحياة إذا كان طرفا العلاقة خائفين ؟

المساعد : الظاهر إنك ما تتربى إلا إذا تكسر راسك.
السجين : إخرس يا كلب.
لم يصدق المساعد، وخلال دقائق اشتعل المهجع وتحول المساعد إلى فأر تنهال عليه الصفعات وتدوسه الأرجل وهو يستغيث!!
سجين آخر : اتركوا هالكلب لانه راح يموت بين ايدينا.
سمعنا عدة طلقات في الهواء وتوقف الضرب.

وأخيرا ::::
عدنا إلى السجن المركزي.. وكان الحاج مصطفى ( سجين تركي ) هناك. وقد رآه أحد السجناء يضع أذنه على الجدار باهتمام وينصت .. وما
ان رأى الطبيب حتى طلب منه أن يفعل مثله.. استجاب الطبيب وبعد قليل التفت إليه وقال : لم أسمع شيئا يا حاج مصطفى!
فردّ عليه الحاج مصطفى : هذا الصمت ما يحيرني ! ويحزنني يا حكيم !!
وأنا الآن : هذا ما يحيرني ويحزنني أيضا.

تلحيص: نعيم عودة

تعليق واحد لـ “الآن.. هنا”

  1. Alaa SAUDI ARABIA Windows Vista Mozilla Firefox 3.0.18 قال:

    هذه الرواية لًما وصلت للصفحة الأربعين منها بكيت , ولًما لم يتبق سوى 100 صفحة تركتها ولم أستطع اكمالها , قررت بعدها ألا أقرأ مطلقاً في أدب السجون .
    ليس عيباً فيها لكن لأنها كانت حقيقية جداً ومؤلمة جداً كذلك .

    أشكرك .

إكتب تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture. Click on the picture to hear an audio file of the word.
Click to hear an audio file of the anti-spam word


© 2009-2010 aliws All Rights Reserved -- Copyright notice by Blog Copyright

193828 pages viewed, 217 today
16145 visits, 23 today
FireStats icon Powered by FireStats