الصلاة الأخيرة

“ولما خيم الصمت على الغرفة الضيقة، راحت سميرة تصغي إلى حواس وهو يتمتم الفاتحة: “بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين”.

وقد سحرت سميرة بذلك الصوت الصامت الخفيض، الذي كان يشبه صوت الممثل المصري محمود ياسين. ثم بدأت ترتجف، إذ أحست كان تلك الآيات القرآنية كانت تتوجه لها، فهي من المغضوب عليهم ومن الضالين. إذ ذاك قررت أن تكون النعامة التي تدفن رأسها في الرمل، فسدت أذنيها، والتفت كلها بشرشف السرير، فلم تعد ترى ولم تعد تسمع، فهي لو عجزت عن محو تلك الحقيقة التي تناديها وتقض مضجعها، قررت أن تسترها وتخفيها، ثم راحت تراهن على الزمن وتحولاته، فالصلاة لن تدوم إلى الأبد، وحواس سيعود رجلها ببطنه المتهدل، وساقيه النحيلتين الذي يضحكها بعيداً عن جفوة صرامته وجدية صلاته، فلو تطلب الأمر منها دفع ثمن الأوقات السعيدة التي تسرقها للحياة ببعض الإحساس بالإثم، لقبلت ذلك، فهي بكل بساطة إمرأة عاشقة شغوفة بعشيقها. هو إلتباس العاشق الذي جعل العاشقة أكثر شغفاً وتعلقاً بمعشوقها. فلا شيء يشد المرأة مثل الرجل اللغز. وهذا ما إكتشفته سميرة من لغز حوّاس. فالرجل المجنون الذي يخاطب المرأة والمضحك الذي ينسيها حزن الأيام الرتيبة والمملة ليس هو الرجل الأبيقوري، والشهواني، والغريب الأطوار،. “أنه رجل معقد كمثل جميع الناس. فزوجي الذي يرى فيّ قديسة، وحواس يري فيّ ربما عاهرة، فكأن الواحد والأخر يرى وجهاً واحداً من وجوهي. الوجه الذي يقابله ويجلس إليه”. هذا ما قالته سميرة وهي تتنهد بعمق.

عندما إنتزعت سميرة أصابعها من أذنيها، سمعت ما يشبه زمجرة خافته في إبتهالات حوّاس وتراتيله. وإجتاحت الزمجرة الخافتة الغرفة الضيقة، وتملكت سميرة ومشاعرها بحيث لم تعد تصغي لسواها.”

في أول عمل أدبي له، يرحل بنا “حميد فرين” إلى الجزائر وإلى سنوات النكسة، حوّاس حوات “الصحفي المعروف بالإنشراح بنوع من التردد، الذي يعيش حياة متناقضة،بين إداءه لواجباته الدينية وحبه للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وإعتبارة القدوة الوحيدة والصورة النقيه والمثال الأعلى للبشرية، وبين حياة الشهوات والإنغماس في اللذة التي يعيشها، حوّاس الذي تزوج حواء ومن ثم إنتهى هذا الزواج للطلاق بسبب إختلاف طريقة التفكير والمباديء ليلتقي بعد سنوات بها في ظروف غريبة، في الصلاة الأخيرة يجاري حميد فرين المجتمع الجزائري ويكشف لنا التخبط الذي يعيشه البعض بين العادات والتقاليد ومعالم الدين من جهة وبين محاولات الثورة والتمرد عليها من جهة أخرى، بإختصار يشير حميد فرين إلى أن شخصية حوّاس موجود في كل واحد منا.

رواية جميلة “لم تعجبني كثيراً” تقع في ما يقارب 400 صفحة من القطع المتوسط، صدرت الرواية الأصلية بالفرنسية، وقد تم ترجمتها إلى العربية بواسطة ميرنا صعب، الترجمة في وجهة نظري متوسطة، الناشر دار الفارابي المتميزة وسعر الرواية ديناران “أي ما يعادل العشرين ريالاً سعوديا.

إنهيت قراءة الرواية كاملة في رحلتي الأخيرة الى الرياض 5 مايو، على متن قطار الدمام – الرياض، في القطار يبدوا الوقت طويلاً جداً ما يكفيك لقراءة الكثير من الكتب ولولا برودة الجو، وبعض الركاب الطفوليين المزعجين لكانت الرحلة أكثر هدوءاً ومتعة، المثير للشفقة أنني عدت من رحلتي بخفيّ حنين،

الرياض، الإثنين 5 مايو. محطة القطار، الملز.

5 من التعليقات لـ “الصلاة الأخيرة”

  1. asma MALAYSIA Windows XP Internet Explorer 6.0 قال:

    غالباً الترجمات لا تؤدي الأغراض الأدبية الموجودة في الرواية أو القصة أو حتى الشعر عشان كدا صرت أحب أقرأ الروايات الانجليزية زي ما هي بدون ترجمتها.. بس المشكلة عاد الرواية هدي فرنسية وأنا ثقافتي إيطالية :P
    ما أدري هل في أحداث الرواية ذكر الظروف السياسية?

  2. آلاء SAUDI ARABIA Windows XP Internet Explorer 6.0 قال:

    بي شغف غير عادي لمطالعة الأدب الجزائري والثقافة الجزائرية بشكل عام ..
    هذه الرواية ستلبي بعضاً من تطلعي ..شكراً لك
    سؤال: هل اشتريتها من مكتبة؟ أم من معرض الكتاب؟

  3. Ali SAUDI ARABIA Windows Vista Mozilla Firefox 2.0.0.14 قال:

    الأخت أسماء ..

    صدقت بعض الترجمات لا تؤدي الغرض المطلوب ولا تمكن من إيصال بعض التعابير او العبارات بشكل صحيح، لكن وللأمانة هناك الكثير من المترجمين ممن يضفي جمالاً وروعة إضافية على الرواية أو القصة أو أي نص كان ..

    العجيب والمثير للسخرية في آن واحد هو أن الكاتب العربي يكتب بلغة أجنبية ثم يترجم ما كتب بالعربية ..

    بالنسبة للظروف السياسة فلا أعتقد أن من يتحدث عن الحياة في الجزائر يستطيع إغفال الجانب السياسي، الكاتب عرج على هذا الجانب تعريجاً خفيفاً وإن كان أكثر الحديث عن المجتمع وعن “حزب الأمة الإسلامي” الذي يمثل في نظر القوة الدينية الصاعدة في تلك الفترة ..

    قرأة الروايات أو الكتب الأجنبية بدون ترجمة مفيدة أيضاً لتطوير اللغة ولإمتلاك أدوات الكتابة باللغة الإنجليزية .. بدأت بتجربة هذه الطريقة مع روايات باولو كويلو .. لكن المشكلة أنها كانت أيضاً مترجمة من الإسبانية أو البرتغالية للإنجليزية ..

    شكراً لإضافتك ..

    الاخت الكريمة آلاء ..

    جميل هذا الشغف، لكن أتمنى أن لاتصابوا بصدمة بعد هذه الرواية، خصوصاً تجاوزها المتكرر للخطوط الحمراء ..!! لكن مع ذلك تبقى تجربة تستحق القراءة، إقتنيت الرواية من معرض البحرين الدولي للكتاب ، وقد أشرت لذلك في تدوينة سابقة إلا أنني لم أذكر قائمة الكتب التي إقتنيتها .. ولكن أظنها متوفرة لدى مكتبة جرير .. خصوصاً أنني شاهدت بعض الإصدارات لدار النشر نفسها متوفرة لديهم .. عموماً دار الفارابي للنشر والتوزيع متميزة .. لذلك لا أتردد كثيراً في إقتناء إصداراتهم .

    الرواية ضمن مجموعة فسيفساء .. وقد تحدثت عن إحدى هذه الرويات بعنوان الصدمة لأحد الكتاب من المغرب العربي .. جميلة أيضاً.

    رابط موضع معرض البحرين:
    http://aliws.net/wp/?p=58
    رابط موضوع رواية الصدمة لياسمينة خضراء:
    http://aliws.net/wp/?p=51
    موّفقة ..

  4. White^Soul SAUDI ARABIA Windows XP Internet Explorer 6.0 قال:

    مع أن عنوان الكتاب غير جذاب إطلاقا بالنسبة لي .. لكن هذه النبذة تختلف عن ماهية العنوان

    جائتني فترة لم أكن أنتقي إلا كتب مغربية أو جزائرية مترجمة من الفرنسية إلى العربية وشغفت بسحر هذه القصص لكن لما فيها من تعدي كثير على الحدود فقد توقفت عن اقتنائها قسرا !!!

    تعجبني الكتب التي تحكي عن التاريخ ويتم بها دمج أفكار أخرى بحيث تصبح رواية أيضا حتى لا تصبح مثل كتاب علمي .. مثل قصة أميرة عربية فهذه أغوص بحلاوتها وأقرأهابتمعن وأتخيل أيامهم حيث تحكي عن تراث وتاريخ وحياة سلاطين ومدن وليس لدي مانع أبدا بقرائتها مرارا كل فترة .. !

    بالنسبة للعرب الذين يكتبون بالانجليزية ثم يقوموا بترجمتها .. فللأسف ليس بيدهم حيلة وأعرف الكثير منهم يستطيعون التعبير باللغة الانجليزية أكثر من عربيتهم فهم يدرسون في مدارس أجنبية أو مثل سكان أرامكو لديكم .. يستطيعون التعبير وبكل دقة باللغة الأجنبية ولا يستطيعون ذلك بلغتهم الأم … للأسف …!

    بعض الأهالي يظنون هذا من التطور إن علموا أطفالهم .. فتجدها فرحة بأن ابنتها الصغيرة تتكلم الانجليزية بطلاقة حتى أنها تجلب خادمة فليبينية حتى تتكلم معها في حين لا تعرف من العربية حرفا ..!

    هذا الموضوع يوترني جدا ..

    دمتم بخير وعافية

  5. Ali SAUDI ARABIA Windows Vista Mozilla Firefox 2.0.0.14 قال:

    الأخت White^Soul

    عنوان الكتاب له علاقة بنهاية الرواية عندما يصلي حوّاس صلاته الأخيرة قبل موته،، “وكالعادة قبل الموت الأصغر الذي هو النوم سوف يقرأ كتابة المفضلين، الذين لن يدعهم إلا لقراءة سورة البقرة بعينين شبه مغلقتين،قال حواس في نفسه، وإن لم تكن تلك عادته، “من الأفضل أن أتوضأ” للصلاة الأخيرة قبل الفجر!!”

    أما بالنسبة لتعدي بعض هذه الروايات وتجاوزها الخطوط الحمراء فهو شيء طبيعي نظراً للظروف والبيئة التي نشأت فيها، لذلك لم تعجبني هذه الرواية كثيراً،

    كتب التاريخ أو القصص التاريحية والسير جميلة جداً، من أجمل هذه الكتب التي سلسلة روايات جرجي زيدان .. كعروس فرغانه، والحجاج بن يوسف .. الخ من سلسلته الكبيرة، كذلك مؤلفات أمين معلوف ، سمرقند و ليون الأفريقي والحروب الصليبية كما رأها العرب. مذكرات أميرة عربية جميلة .. خصوصاً أنها تتكلم عن حقبة قريبة وعن السلطنة العمانية في افريقيا.. قرأت الكتاب وأعجبني، خصوصاً انني كنت ابحث عن كتب تحكي عن هذه الفترة. فالشكر لمن دلنا عليه.

    أخيراً بالنسبة للعرب الناطقين بغير العربية، فقد جلست قبل فترة مع أخي أمريكي – يمني كا، العجيب أن أطفالة الصغار يتكلمون العربية الفصحى بطلاقة، سالته عن ذلك، حيث بدأ هذا غريباً، فأجابني بأن جدتهم تحرص على تعليمهم والتحدث معهم بالفصحى ليتعلموا. لا أدري عن صحة أن بعض الأشاص يستطيع التعبير بالإنجليزية أكثر من العربية !!

    من الجميع أن يتعلم الإنسان أكثر من لغة ويتحدث كذلك، أتمنى تعلم الكثير من اللغات لكن ليس على حساب لغتي الأصليه، إتقاننا للغة العربية هو أساس تعلمنا لغيرها من اللغات.

    موّفقه وشكرا للمرور .

إكتب تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture. Click on the picture to hear an audio file of the word.
Click to hear an audio file of the anti-spam word


© 2009-2010 aliws All Rights Reserved -- Copyright notice by Blog Copyright

194493 pages viewed, 309 today
16031 visits, 24 today
FireStats icon Powered by FireStats